مقدمة
استنادًا إلى ما ورد في حصة حوارية بثّتها قناة الشروق، والتي خُصّصت لمناقشة ملف التكوين وعلاقته بالإدماج في قطاع التربية، عاد الجدل من جديد إلى الواجهة، خصوصًا بعد تصريحات وزير التربية الوطنية حول اعتبار التكوين شرطًا أساسيًا قبل الإدماج في الرتب الأعلى. هذه التصريحات قوبلت برفض واسع من طرف النقابات والأساتذة، تُوّج بمقاطعة وطنية شبه شاملة. في هذا المقال، نعرض بالتفصيل كل النقاط التي طُرحت في الحصة، مع شرح خلفيات الرفض، المبررات القانونية والبيداغوجية، والبدائل المقترحة، دون اختصار أو إسقاط أي جزئية.
التكوين وعلاقته بالإدماج
في بداية النقاش، تم التطرق إلى تصريح وزير التربية الذي أكد فيه أن التكوين يجب أن يسبق عملية الإدماج. غير أن النقابات، وعلى رأسها النقابة الوطنية لعمال التربية، شددت على نقطة جوهرية مفادها أن التكوين لا علاقة له بالإدماج إطلاقًا، وإنما يرتبط بالترقية فقط.
الإدماج، حسب التوضيح النقابي، هو انتقال آلي من رتبة إلى رتبة أعلى داخل نفس السلك، نتيجة استيفاء شروط الأقدمية، دون تغيير في طبيعة المهام. فعلى سبيل المثال، أستاذ ينتقل من الصنف 11 إلى الصنف 12 لا يحتاج إلى أي تكوين إضافي، لأنه يمارس نفس الوظيفة ونفس المهام.
أما الترقية، فهي مسار مختلف تمامًا، لأنها تعني الانتقال إلى منصب جديد بمهام ومسؤوليات مختلفة، مثل الانتقال من أستاذ إلى ناظر أو مدير، وهنا يصبح التكوين أمرًا منطقيًا وضروريًا. بناءً على ذلك، فإن ربط التكوين بالإدماج يُعد، حسب النقابات، إجراءً غير قانوني وغير مبرر.
الوظيف العمومي وخصوصية قطاع التربية
أشار وزير التربية إلى أن اشتراط التكوين جاء بتوصية من الوظيف العمومي، وبصفة عامة من رئاسة الحكومة. غير أن النقابات استحضرت في هذا السياق تصريحًا سابقًا لرئيس الجمهورية، أكد فيه أن مهنة الأستاذ ليست مهنة عادية، وأن قطاع التربية يجب أن يتمتع بخصوصية داخل الوظيف العمومي.
هذه الخصوصية، في نظر النقابات، هي الحل الجوهري لكل الإشكالات المطروحة. فلو تم فعليًا منح قطاع التربية وضعًا خاصًا داخل منظومة الوظيف العمومي، لسقط شرط التكوين قبل الإدماج تلقائيًا، ولما بقي له أي معنى أو مبرر قانوني.
واقع التكوين وأمثلة ميدانية
من أبرز النقاط التي تم التوقف عندها خلال الحصة، تقديم أمثلة واقعية تعكس الطابع الشكلي للتكوين المفروض. فقد تم التطرق إلى حالات لأساتذة مكوّنين وصلتهم استدعاءات مزدوجة: استدعاء للتأطير، واستدعاء آخر للخضوع إلى التكوين بحجة أن أقدميتهم تتراوح بين أربع وسبع سنوات.
هذا التناقض، حسب المتدخلين، دليل واضح على غياب المنطق في تنظيم التكوين، ويؤكد أنه مجرد إجراء شكلي، يهدف إلى استكمال حجم ساعي معين لإرضاء الوظيف العمومي، دون مراعاة للكفاءة أو المسار المهني الحقيقي للأساتذة.
دعوة الحوار وموقف النقابات
رغم حدة الرفض، ثمنت النقابات دعوة وزير التربية إلى الحوار والجلوس إلى طاولة النقاش، معتبرة أن لغة الحوار تبقى السبيل الأفضل لتجاوز الأزمات، خاصة في ظل ظروف حساسة كهذه.
وفي هذا الإطار، تم الإعلان عن برمجة جلسات رسمية تجمع رؤساء النقابات مع وزير التربية، على أن يكون ملف التكوين في صلب هذه اللقاءات. وأكدت النقابات أن موقفها موحد، ويتمثل في المطالبة بإلغاء التكوين كشرط للإدماج.
التناقض بين النقاش والتطبيق
من النقاط التي أثارت استياء النقابات، أن وزارة التربية استدعتهم لتقديم مقترحات بخصوص القانون الأساسي، وفي نفس الوقت قامت مديرية التكوين بإرسال برامج التكوين إلى مديريات التربية عبر الولايات، وكأن القرار محسوم مسبقًا.
هذا التناقض، حسب النقابات، يُفرغ الحوار من مضمونه، ويجعل النقاش شكليًا، خاصة وأن هناك مشروع مسودة لا يزال قيد الدراسة. وفي حال سقوط هذه المسودة، فإن كل الإجراءات المرتبطة بالتكوين، بما فيها الجداول المرسلة، يفترض أن تسقط بدورها.
المقاطعة الوطنية ودلالاتها
عرف اليوم الأول من انطلاق التكوين مقاطعة وطنية واسعة، حيث بلغت نسبة المقاطعة في صفوف الأساتذة أكثر من 98 بالمائة، بينما تجاوزت 90 بالمائة لدى باقي أسلاك التربية. هذه الأرقام، حسب النقابات، تعكس بوضوح حجم الغضب في القاعدة، وترفض بشكل قاطع هذا الإجراء.
فئات أخرى معنية بالتكوين
لم يقتصر التكوين على الأساتذة فقط، بل شمل فئات أخرى، من بينها المفتشون، مفتشو التغذية المدرسية، مفتشو التوجيه المدرسي، ومستشارو التغذية الرئيسيون. هؤلاء طُلب منهم الخضوع لتكوين مدته عشرة أشهر، رغم أنهم سبق وأن خضعوا لتكوين تخصصي دام سنة كاملة، وترقوا عن طريق مسابقات رسمية.
إعادة إخضاع هذه الفئات لتكوين جديد اعتبرته النقابات إهانة لمسارهم المهني، وتجاهلًا لكل ما تلقوه سابقًا من تكوين وتأهيل.
تقليص الحجم الساعي لا يغير جوهر الرفض
ردًا على الانتقادات، أعلن وزير التربية عن تقليص الحجم الساعي للتكوين من 200 ساعة إلى 80 ساعة. غير أن النقابات أكدت أن الإشكال لا يكمن في عدد الساعات، بل في مبدأ التكوين ذاته كشرط للإدماج.
فمن غير المعقول، حسب تعبيرهم، أن يُقال لأستاذ قضى سنوات في الدراسة بالمدارس العليا، ودرس علوم التربية، التشريع المدرسي، الهندسة البيداغوجية، وأنجز تكوينًا ميدانيًا ومذكرات تخرج، أن يعيد نفس التكوين من جديد.
المدارس العليا للأساتذة وفئة مظلومة
أثارت النقابات كذلك وضعية خريجي المدارس العليا للأساتذة، خاصة الذين تقل أقدميتهم عن أربع سنوات، والذين لا يزالون مصنفين في الصنف 12، في حين أن ناجحي المسابقات الأخيرة سيصنفون في رتب أعلى.
هذا التناقض اعتُبر ظلمًا واضحًا لفئة تُعد من نخبة القطاع، بالنظر إلى معدلاتها العالية والتكوين التخصصي الذي تلقته.
البديل المقترح: فترة انتقالية
في ختام الطرح، شددت النقابات على أن القانون الأساسي الجديد 25-54 يفتقر إلى مادة صريحة تنص على فترة انتقالية، وهو ما يعد خللًا تشريعيًا كبيرًا.
واقترحت في المقابل إقرار فترة انتقالية تمتد من 1 جانفي 2025 إلى 1 جانفي 2030، يتم خلالها إدماج كل موظف في قطاع التربية آليًا في الرتبة الأعلى بمجرد بلوغه خمس سنوات أقدمية، دون اشتراط أي تكوين.
خاتمة
يظهر من خلال هذا العرض المفصل أن رفض التكوين قبل الإدماج ليس موقفًا انفعاليًا أو ظرفيًا، بل يستند إلى مبررات قانونية، بيداغوجية ومهنية واضحة. النقابات تؤكد أنها لا ترفض الترقية، بل ترفض المساس بمبدأ الإدماج وخصوصية قطاع التربية. وبين دعوات الحوار والمقاطعة الواسعة، يبقى مستقبل هذا الملف مرتبطًا بمدى استجابة الجهات الوصية لمطالب القاعدة، وإعادة النظر في القانون الأساسي بما يضمن الإنصاف والاستقرار داخل القطاع.
كلمات مفتاحية
التكوين قبل الإدماج، قانون التربية، النقابات التعليمية، قطاع التربية في الجزائر، الإدماج والترقية، القانون الأساسي 25-54، الوظيف العمومي، المدارس العليا للأساتذة
هاشتاجات
#التكوين_قبل_الإدماج #قطاع_التربية #النقابات #قانون_التربية #الشروق #الأساتذة #الإدماج #الترقية
