مقدمة
يُعدّ القانون الأساسي للتربية في الجزائر من أكثر الملفات حساسية وأهمية داخل قطاع التربية الوطنية، نظرًا لارتباطه المباشر بحقوق المربين، وتصنيفهم، ومسارهم المهني، إضافة إلى انعكاسه على استقرار المنظومة التربوية ككل. وفي هذا السياق، خصّصت قناة الشروق حصة إعلامية تناولت بالتفصيل اللقاء الذي جمع اللجنة التقنية التابعة لوزارة التربية الوطنية مع نقابات التربية، وعلى رأسها نقابة المجلس الوطني المستقل لمديري الثانويات، ممثلة في المكلف بالإعلام السيد يزيد بوعنان.
يهدف هذا المقال إلى تقديم عرض تحليلي شامل ودقيق لمجريات هذا اللقاء، مع الحفاظ على كامل المضمون دون اختصار، استنادًا إلى ما ورد في الحصة التلفزيونية، وبأسلوب تفسيري يسهّل على القارئ فهم خلفيات الملف، المطالب النقابية، وردود فعل الوزارة الوصية.
خلفية عامة حول القانون الأساسي للتربية
بعد صدور المرسوم التنفيذي 25-54 المتعلق بالقانون الأساسي الخاص بأسلاك التربية الوطنية، ظهرت موجة واسعة من الانتقادات وردود الفعل من قبل مختلف النقابات التربوية. وقد اعتبرت هذه النقابات أن القانون الجديد لم يعالج الاختلالات العميقة المتراكمة منذ سنوات، بل كرّس بعضها، خاصة تلك المتعلقة بالتصنيف، والمسار المهني، وفلسفة تنظيم الأسلاك.
أمام هذا الوضع، تعهّدت وزارة التربية الوطنية بإعادة فتح الملف، وجمعت منذ أكثر من سنة مقترحات كتابية من النقابات، كما عقدت لقاءات متعددة حسب الأسلاك والرتب. غير أن المسودة الأولى التي قُدمت لاحقًا لم تستجب، حسب النقابات، للمطالب الجوهرية، وهو ما دفع الوزارة إلى برمجة لقاءات إضافية مع الشركاء الاجتماعيين.
لقاء اللجنة التقنية مع نقابة مديري الثانويات
في هذا الإطار، انعقد لقاء رسمي جمع اللجنة التقنية الوزارية مع ممثلي نقابة المجلس الوطني المستقل لمديري الثانويات. وخلال هذا اللقاء، أكدت النقابة تمسكها بكل المقترحات التي سبق تقديمها كتابيًا، مع إعادة طرحها وتدعيمها بالحجج التقنية والمهنية.
وقد شددت النقابة على مجموعة من المحاور الأساسية التي تعتبرها جوهر الإصلاح الحقيقي للقانون الأساسي للتربية.
فلسفة بناء القانون الأساسي للتربية
أكدت النقابة أن أصل الخلل في قوانين التربية يعود إلى الفلسفة التي بُني عليها قانون 2012، والتي اعتمدت على مبدأ التوازي بين المسار البيداغوجي والمسار الإداري. واعتبرت أن هذا التوجه هو السبب الرئيسي في الاختلالات التي عرفها القطاع.
وطالبت، بالمقابل، بإعادة بناء القانون وفق فلسفة هرمية تراتبية، تكون فيها المسؤوليات واضحة ومتدرجة، ويكون مدير المؤسسة التربوية على رأس الهرم، كما هو معمول به في باقي قطاعات الوظيف العمومي، باعتباره المسؤول الأول عن التسيير الإداري والتربوي داخل المؤسسة.
استحداث رتب جديدة لمديري الثانويات
من بين النقاط التي شددت عليها النقابة أيضًا مسألة غياب تعدد الرتب في سلك مديري المؤسسات التربوية، خاصة مديري الثانويات. ففي الوقت الذي تضم فيه معظم أسلاك التربية رتبًا متعددة، يظل مديرو المؤسسات محصورين في رتبة واحدة فقط.
وترى النقابة أن هذا الوضع غير منطقي، وطالبت باستحداث رتب جديدة، مثل:
- مدير ثانوية من المستوى الأول
- مدير ثانوية من المستوى الثاني
وذلك بما ينسجم مع الخبرة، الأقدمية، وحجم المسؤوليات.
التصنيف خارج الصنف لمديري الثانويات
في سياق متصل، طالبت النقابة بإعادة النظر في تصنيف مديري الثانويات، معتبرة أن حجم المهام، وثقل المسؤوليات، والصعوبات اليومية في تسيير المؤسسات، تفرض تصنيفهم خارج الصنف.
واقترحت أن يكون التصنيف وفق مستويين:
- مدير ثانوية خارج الصنف – الفرع الأول
- مدير ثانوية خارج الصنف – الفرع الثاني
وذلك بما يضمن الاعتراف الحقيقي بالمكانة المهنية لمدير المؤسسة.
منحة المسؤولية والتناقضات في القانون الحالي
تطرقت النقابة كذلك إلى ملف منحة المسؤولية، خاصة بعد تصريح الوزارة بأن ملف المنح والعلاوات لم يُفتح بعد على مستوى السلطات العليا. وفي هذا الإطار، طالبت النقابة على الأقل بـ تثمين المنح الحالية.
ومن بين المفارقات التي أشار إليها السيد يزيد بوعنان، أن:
- منحة الأستاذ المنسق للقسم تتجاوز 5600 دينار
- بينما لا تتجاوز منحة مدير المؤسسة 5000 دينار
وهو ما اعتبرته النقابة تناقضًا صارخًا في المرسومين التنفيذيين 25-54 و25-55، ويمس بمبدأ العدالة في توزيع المسؤوليات والتعويضات.
موقف الوزارة الوصية من مقترحات النقابة
أوضح ممثل النقابة أن دور اللجنة التقنية يقتصر على جمع المقترحات وصياغتها في مسودة تعديلات، ثم رفعها إلى الجهات المخولة، مثل:
- المديرية العامة للوظيفة العمومية
- الوزارة الأولى
- السلطات العليا في البلاد
وهي الجهات التي تملك صلاحية المصادقة أو الرفض. وأكدت النقابة أن مقترحاتها تقنية، واقعية، وقابلة للتجسيد، وتهدف إلى تمكين مدير المؤسسة من أداء مهامه في ظروف مهنية تحفظ له مكانته الاجتماعية والمهنية.
ملف المنح والتعويضات في قطاع التربية
أجمع المتدخلون على أن ملف المنح والتعويضات يُعد من أكثر الملفات إلحاحًا في قطاع التربية. فرغم المطالب المتكررة، لم يتم فتح هذا الملف إلى غاية الآن، باستثناء المنحة التي أقرها رئيس الجمهورية لفائدة أسلاك التدريس والأسلاك المنبثقة عنها.
وفي المقابل، استفادت قطاعات أخرى، مثل التعليم العالي والصحة، من مراجعة شاملة لأنظمة المنح والتعويضات، ما زاد من شعور عدم الإنصاف داخل قطاع التربية الوطنية.
ملاحظات حول مسودة التعديلات الجديدة
أشارت النقابة إلى أن المسودة الأولى لتعديل القانون الأساسي ركزت أساسًا على سلك المصالح الاقتصادية، خاصة المقتصدين ونوابهم، الذين لم يستفيدوا من القانون السابق.
غير أن هذه المسودة، حسب النقابة، لم تتضمن أي استجابة حقيقية للمقترحات المتعلقة بمديري الثانويات، سواء من حيث التصنيف، أو الصلاحيات، أو الرتب المستحدثة.
الإدماج والتكوين في الرتب المستحدثة
فيما يخص مطلب إدماج الأساتذة في الرتب المستحدثة دون قيد أو شرط، أوضحت النقابة أن هذا الموضوع محل نقاش واسع داخل الساحة النقابية. وأكدت أن النقابة لا تعارض مبدأ التكوين، بل تعتبره ضرورة مهنية.
غير أنها ترى أن:
- التكوين يجب ألا يُستعمل كعائق للترقية
- يجب أن يكون تكوينًا مستمرًا ودوريًا
- يشمل التكوين أثناء الخدمة وأثناء تقلد المناصب
مسألة توحيد التصنيف بين الأسلاك
بخصوص مطلب توحيد التصنيف بين الأساتذة، المفتشين، والعمال الإداريين، أوضحت النقابة أن هذا الطرح ليس محل إجماع نقابي. وأكدت أن رؤيتها تقوم على مبدأ التدرج الهرمي، حيث يُمنح كل منصب تصنيفه وفق المهام، الصلاحيات، والمسؤوليات.
وشددت على أنه لا يمكن مساواة مدير الثانوية ببقية الموظفين، لأنه يمثل الوزارة داخل المؤسسة، ويُعتبر في العديد من الدول عونًا من أعوان الدولة.
مراجعة القوانين المرجعية للوظيفة العمومية
أكدت النقابة أن أي إصلاح حقيقي للقانون الأساسي للتربية يمر حتمًا عبر مراجعة القوانين المرجعية، وعلى رأسها:
- الأمرية 06-03 المتعلق بقانون الوظيفة العمومية
- المرسوم الرئاسي 07-304 المتضمن الشبكة الاستدلالية للأجور
ودون تعديل هذين النصين، يبقى هامش الإصلاح محدودًا، سواء من حيث استحداث الرتب، أو تحسين التصنيفات والترقيات.
الخطوات القادمة والآفاق المنتظرة
في ختام اللقاء، أكدت النقابة أنها تنتظر مخرجات اللقاءات الجارية بين الوزارة وباقي النقابات، وما إذا كانت المقترحات ستُجسّد في المسودة النهائية قبل عرضها على السلطات المختصة.
كما دعت، عبر هذا المنبر الإعلامي، إلى ضرورة فتح ملف المنح والعلاوات، معتبرة أن الاستثمار في قطاع التربية هو استثمار في مستقبل البلاد، نظرًا لدوره الاستراتيجي في تكوين الأجيال والإطارات المستقبلية.
خاتمة
يبقى ملف القانون الأساسي للتربية مفتوحًا على عدة سيناريوهات، في انتظار ما ستسفر عنه اللقاءات التقنية وقرارات السلطات العليا. وبين مطالب النقابات وتوجهات الوزارة، يظل الأمل معقودًا على إصلاح عادل ومنصف يعيد الاعتبار لقطاع التربية الوطنية، ويضمن الاستقرار المهني والاجتماعي لكل منتسبيه، خاصة مديري المؤسسات التربوية الذين يشكلون حجر الزاوية في تسيير المنظومة التربوية.
كلمات مفتاحية (SEO Keywords)
القانون الأساسي للتربية، القانون الأساسي لقطاع التربية، مرسوم 25-54، نقابات التربية في الجزائر، وزارة التربية الوطنية، مديرو الثانويات، تصنيف مديري الثانويات، منحة المسؤولية، المنح والتعويضات، الوظيفة العمومية، إصلاح قطاع التربية
هاشتاغات
#القانون_الأساسي_للتربية #نقابات_التربية #وزارة_التربية #مديرو_الثانويات #مرسوم_25_54 #المنح_والتعويضات #قطاع_التربية #الإصلاح_التربوي