اعلان ادسنس

اضطرابات وعلل اللسان

 




إن وظيفة اللغة في العرف العام هي أداة اتصال لكنها تتجاوز هذه الوظيفة لتكون أداة تعلم السامع عن حالة المتكلم النفسية وقد يحصل أن يكون هناك تشويش في عملية الاتصال نتيجة بعض الأمراض     

أو العيوب التي تلحق اللسان ، وتكون هذه العيوب عضوية أو وظيفية أو عيوب ناتجة عن نقص القدرة الذهنية و هذه كلها تدخل فيما يسمى بالأمراض اللغوية والتي تحصل عادة بسبب القصور الذي يلحق الفكر كما يلحق اللسان والمصاب بمرض لغوي مريض عقليا ومن هنا تأسست جمعيات بمرضى الكلام وعد هؤلاء من المعاقين.

وهكذا فإن أي خلل يطرأ على اللسان ينعكس فكرا أو سلوكا لأن اللسان ترجمان الفؤاد أو كما قال الماوردي " اللسان عنوان الإنسان يترجم عن مجهوله ويبرهن عن محصوله فيلزم أن يكون بتهذيب ألفاظه حريا وبتقويم لسانه مليا  ، ومن هنا تمثل الفصاحة وجودة النطق والبعد عن اللكنة و العجمة معالم حضارية اجتماعية راقية ولا تعد الغمغمة أو الطمطمة أو الحكلة وما يشبه ذلك مما يستدل على السلامة اللغوية أو على الكلام السوي الذي يخلو من كل ما يشوش عملية الاتصال .وهكذا تعد تلك الأخطاء التي يقع فيها المتكلم لسبب من الأسباب من العيوب أو النقائص التي تسجل على الإنسان الذي من سيمته الإبلاغ واللسان إنسان.

و إن الإنسان الذي يعتوره نوع من التقطيع في الكلام فهو المريض اللغوي ويحتاج إلى مراجعة إكلينيكية و إلى دراسة نفسية تعمل على تفادي بعض الاضطرابات التي تجعله يحدث التقطيع اللغوي أو لا يستطيع التبليغ كما يجب .

* أمراض الكلام : هي أمراض ناتجة عن سوء الأداء وقلة القدرة على الكلام ومنها : 

  أ- القلب : حقيقته " تصيير حرف مكان حرف بالتقديم والتأخير" و ينقلب إلى ظاهرة لغوية مرضية عندما يدخل إلى الكلمة أو الجملة  فيشوه معانيهما أو يغم على السامع دلالتهما ولهذا ميز علماء العربية بين نوعين من القلب أحدهما سائغ حسن والثاني قبيح لا يجوز في الشعر ولا في القرآن و إنما جاء في الكلام على سبيل الغلط فهو لذلك نوع من علل اللسان الأدائية منه قول أحد التلاميذ " تكاب" في "كتاب" و"فرض كتبه" في كتب فرضه" و" حملك موجوع" لغة في " وجعلك محمول" وسمعت أحدهم يقول مرددا أغنية برنامج تلفزيوني " حب النية الكبة كثير " بدلا من : " حب الكبة النية كثير ".
 ب- العقلة : ترتبط هذه الظاهرة المرضية بالحبسة مع اختلاف في القدر ، فالعقلة  "التواء اللسان عند إرادة الكلام"   وقد شخصوا داء العقلة، فوجدوا الالتواء قد يأتي من إسقاط حركة الإعراب، قالوا: العقلة ترك الحركة.
 ج- اللفف : ظاهرة لسانية مرضية تبرز من خلال  " إدخال حرف في حرف" أو " أن يكون في اللسان ثقل  وانعقاد "  كان يقول احدهم :"أنا" فتتداخل الهمزة في النون.
 د- الحصر : "العي في المنطق ، وان  يمتنع عن القراءة فلا يقدر عليه "8 ،من شواهده قول أمير المؤمنين في خطبة نكاح : "اللهم إنا نحمدك و نستعينك ..."، فحصر فقال : "ونشرك بك "9 ، حيث جاء بما يناقض أول الكلام ، بسبب العلة المذكورة.
هـ- التمتمة: وهي التردد في التاء و أوضحها الأصمعي بقوله : " إذا تتعتع اللسان في التاء فهو تمام"  ومن أمثلته قول رؤبة بن العجاج من الرجز .
  يـا هالَ ذاتَ المنطقٍٍِ التمتامِ    **   كـأنَ وَسْـواسـكَ فـي اللـمامٍ
                        وَسْــواسُ شيطـانــيْ بــنٍي هِنــامِ 
 و- الرتة : مرض لغوي يظهر في شكل " تمنع أول الكلام فإذا جاء منه شيء اتصل به  وعرفها الثعالبي بأنها " حبسة في لسان الرجل وعجلة في كلامه" وربما كانت جعل اللام تاء 
 ز- الفأفأة : قالوا رجل فأفاء 6 إذا كان يكثر ترداد الفاء في كلامه وهي نوع من الحبسة تخص غلبة الفاء في الكلام قال الأصمعي " إذا تتعتع اللسان في الفاء فهو فأفاء   
 ح- الهتهتة أو الهثهثة : وهما حكاية صوت العي و الألكن   
 ط - الحبسة : حقيقتها تعذر الكلام عند إرادته   وربما وجد العلماء في طول الصمت من دون حاجة إليه حبسة قال بكر ابن عبد الله " طول الصمت حبسة"   ، ومع تطور الدراسات النفسية اتسع مفهوم الحبسة فأطلقت على عدد من الأمراض الكلامية على الرغم من التفاوت بينها في المظهر من أبرز الأعراض التي تتضمنها الحبسة:
        * فقد القدرة على التعبير بالكتابة أو الكلام .
        * عدم القدرة على فهم معنى الكلمات المنطوق بها .   
        * عدم إيجاد الأسماء لبعض الأشياء والمرئيات.
        * عدم القدرة على مراعاة القواعد النحوية التي تستعمل في الحديث أو الكتابة .
ويمكن التفريق بين نوعين من أنواع حبسة اللسان  باعتبار ما يرافق خسران اللغة الداخلية من عوامل تحول دون سهولة اللفظ والقدرة على صياغته الأولى حبسة فرنيك  فيها يتكلم المريض برداءة و تنقصه المفردات والقواعد والثانية حبسة بروكا حيث يظهر المريض أبكم أو قليل الكلام ، ومهما يكن من أمر الأنواع المتعددة لحبسة اللسان فإن المصاب بها مريض اللغة لأنه فقد السيطرة على آلة الكلام كما يفقد مريض الجسم السيطرة على العضو العليل والجزء السقيم .
ي- التأتأة أو اللجلجة : اللجلجة ثقل اللسان ونقص الكلام و أن لا يخرج بعضه في أثر بعض، قالوا : رجل لجلاج وقد لجلج وتلجلج  والثقل يكون بفقدان القدرة على إخراج الكلام بشكل طبيعي ، بل يتدفق بشكل تردد وتكرار مقاطع منه ويشبه كلام المتلجلج الإنسان الذي نال البرد منه فأخذت أسنانه تصطك وشفتاه ترجفان فلا يحسن التعبير السوي، قيل لأعرابي : ما أشد البرد؟ قال: إذ دمعت العينان وقطر المنخران ولجلج اللسان  ومن أمثلة اللجلجة النطق بكلمة كتب على أحد الأشكال : 
الأول : تكرار الكاف مرات قبل النطق بالكلمة كاملة : كـ...كـ...كـ       كتب
الثاني: توقف قبل النطق ثم دفع الكلمة مرة واحدة  توقف كتب ، وتنطبق الأعراض نفسها على الجملة فقد ينطق بالكلمة الأولى ثم يتوقف ويندفع بلفظ بقية الكلمات كما في قولهم : " نطق لسانُه بالحق"
نطق  توقف لسانه بالحق، ويرى علماء العربية في ظاهرة اللجلجة مرضا لغويا تبرز قسماته بشكل عي من دون تحديد دقيق له قال الثعالبي : " اللجلجة أن يكون فيه عي وإدخال بعض الكلام في بعض"، ولما كانت اللجلجة ارتجاج في الصوت يحدثه المتكلم نتيجة ما يلحقه من ترداد وتكرار فقد شاركها في التسمية مصطلح آخر هو التأتأة  على الرغم من أن التأتاء على ما يقولون " من يكرر التاء إذا تكلم" 
واعتبر آخرون أن " التهتهة"  من هذا القبيل ، ونتيجة لتعدد المصطلحات اختلفت الآراء وبخاصة في الدراسات الحديثة في حقيقة اللجلجة وتعددت نظريات اللجلجة في الكلام لدرجة تدع الباحث في حيرة و لقد أدى تكاثر هذه النظريات إلى وجود أراء متباينة ... ومهما يكن من أمر الآراء المتباينة فالأشكال المذكورة أعلاه هي الأشيع والمعروفة بشكل أوسع والمصاب باللجلجة يبدي اضطرابات في حركات اللسان قد تكون نتيجة تقلص العضلات المتحكمة في الحديث وخللا في توازن النفس على هدي الأعراض المذكورة يمكن " ربط التأتأة باضطراب يصيب الجهاز الذي يحرك اللسان ومن تم يتيح له خلق اللغة ..."
ك- الليغ : أن لا يبين الكلام 
ل- الخنخنة: أن يتكلم من لدُن أنفه ويقال هي أن لا يبين الرجل كلامه فيخنخن في خياشيمه 
م- المقمقة: أن يتكلم من أقصى حلقه 
ن- اللثغة: تباينت أراء العلماء في اللثغة ولكنها بعامة أن يعدل بحرف إلى حرف  ثم تفرق العلماء في الحروف التي يعدل بها إلى غيرها قال الثعالبي الألثغ هو الذي " يصير الراء لاما والسين ثاء في كلامه"  وعرفها ابن فارس بقوله " اللثغة في اللسان أن يقلب الراء غينا والسين ثاءا" ، وأجمل ابن منظور الآراء المتباينة في الألثغ فجاءت : " هو الذي يجعل الراء غينا أو لاما أو يجعل الصاد فاء وقيل هو الذي يتحول لسانه عن السين إلى الثاء وقيل هو الذي لا يتم رفع لسانه في الكلام وفيه ثقل وقيل هو الذي لا يبين الكلام وقيل هو الذي قصر لسانه عن موضع الحرف ولحق موضع أقرب الحروف من الحرف الذي يعثر لسانه عنه".  وعلى الرغم من تباين الآراء وافتراقها فإن الحروف التي تلحقها اللثغة هي القاف والسين واللام والراء وقد فصلها الجاحظ شرحا وتمثيلا قال  فمن أمثلة اللثغة التي تعرض للسين تكون ثاء قولهم لأبي يكسوم "يكثوم" وقولهم " بثم الله" إذا أرادوا " بسم الله" ، واللثغة التي تعرض للقاف هي التي يجعل صاحبها القاف طاء فإذا أراد القول قلت له قال : طلت له و أما اللثغة التي تقع في اللام فإن صاحبها يجعل اللام ياء يقول "جمي" بذل " جمل" و آخرون يجعلون اللام كافا يقولون ما العلة ؟ مكعكة؟ واللثغة في الراء يعرض لها أربعة أحرف أولها أن يجعل الراء ياء كقولهم في عمرو: عمي والثاني أن يجعل الراء غينا فإذا أراد إنشاد بيت عمر ابن أبي ربيعة " من الرمل قال : 
وَاسْتَبَدَتْ مَغـَةَ وَاحِدَةَ  * *  *  إنَماَ العَـاجِزُ منْ لاَ يستبـد  
بدل قوله مرة ، والثالث أن يجعل الراء ذالا يقول في " عمرو" " عمذ" والرابع أن يجعل الراء ظاء يقول في "مرة" "مظة" وتبدو واضحة في الشكل التالي :   


  وترتب حروف اللثغة باعتبار موقعها في الأذن قبولا ورفضا حسب المعادلة المبينة


- أمراض ناتجة عن سوء الأداء وقلة القدرة على الكلام سببها اختلاط اللسان العربي باللسان الأعجمي وهي علل لسانية اجتماعية Sociolinguistique  كانت انعكاسا للامتزاج البشري في المجتمع العربي من أبرزها :
- الغمغمة : وهي أن تسمع الصوت ولا يبين لك تقطيع حروفه  و أقرب الشواهد الدالة عليها استماع الإنسان إلى أجنبي عن لسانه حيث يسمع منه صوتا ولا يدرك معنى.   
- الطمطمة: وهي علة لسانية لا تختلف عن سابقتها نوعا ولا كما وعرفوها بقولهم أن يكون الكلام مشبها لكلام العجم  .
- الحكلة : " عقدة في اللسان وعجمة في الكلام " فكأن العجمة التي لحقت اللسان سببت له التعقيد في الكلام والعثرة في البيان .
- اللكنة : " أن تعترض في الكلام اللغة الأعجمية " 5 فهذا السلوك مطرد في المجتمع نظرا لما يمثله من ثقافة المتكلم التي تظهر من خلال إتقانه لغة العجم ويلجأ إليه المتكلم على سبيل التملح والتظرف من ذلك أن يرتضخ الناطق لكنة رومية أو فارسية روي أن صهيبا رحمه الله يرتضخ لكنة رومية 5 و منها ما ورد على لسان زياد الأعجم " زياد ابن سلمى" (من الطويل).
                                            فَتَى زَادَهُ السلطانُ في الوُدِ رِفْعَةً  * * *  إذا غيرَ السلطانُ كلَ خليلِ 
فكان يجعل السين شينا والطاء تاء يقول " فتى زاده الشلتانُ" 7 فضلا على مزالق أخرى ينتحيها اللسان قد تتأرجح ما بين العلة وغير العلة. 
بعد تشخيص الداء العلاج و الدواء : نهج علماء العربية في أبحاث علل اللسان وأمراض اللغة منهجين متغايرين ، الأول وصفي علمي  حين وصفوا العلل وصفا مجردا لذاته ، والتاني معياري  عندما سعوا لتعليل هذا السلوك اللغوي المشين ، محاولين استخلاص الأسباب الكامنة خلفه . وبهذا المنهج اللغوي المركب ، القائم على خلط المنهجين ، استطاعوا سبر أغوار علل اللسان ، والنفاذ إلى أسباب دقيقة وحلول سديدة . برزت عوامل المرض عبر مفصلين ، الأول نفسي و الثاني اجتماعي. 

أولا : العوامل النفسية ، تجلت في الأسباب التالية : 
1- الغريزة : تحمل الناطق تلقائيا على التفوه بما فطر عليه وورثه. وقد وعى علماء العربية قضية الغريزة ، فنبهوا على دورها فى علل اللسان ، قال ابن عبد ربه  : " وأما الرتة فإنها تكون غريزية " : ويذكر منها قول الراجز :[ من الرجز] 
يـَأَيـَهـَا الـمـُخـَلـَطُ الأرثُ
ولما كانت الغريزة تنمو تبعا للمؤثرات الاجتماعية والتاريخية ،فقد حدد علماء العربية الطوائف الاجتماعية التى تعرف فيهم وتنتشر بين ظهرانيهم العلة الكلامية . " ويقال إنها تكثر فى الأشراف"5.
 2- الخوف: وهو انفعال يترك تأثيره في اشد صوره على اللسان ، من خلال التغيرات الفسيولوجية التي تنشـأ عنها أحساسات ومشاعر مختلفة 6. فليس بعيدا أن تكون اللجلجة والحبسة وسواهما من نتائج الخوف .وأية ذلك قول عنترة بن شداد: [من الرجز] 
                                                                         وَصَاحِبِ نَادَيْتَهُ فَغَمِغَما  * *  *  يُرِيدُ لَبَيْكَ وماَ تكَلَما
                                                                                      قدْ صارَ منْ خوفِ الكلامِ أعجماً 
3- التهيب والخجل والدهشة : وكلها تؤدي إلى حالة اضطراب تنعكس جلية على اللسان فتظهر أعراضها بشكل لجلجة وارتجاج على المتحدث أو الخطيب روي أنه لما قدم يزيد ابن أبي سفيان الشام واليا عليها لأبي بكر خطب الناس فأرتج  عليه فعاد إلى حمد الله ثم أرتج عليه فعاد إلى الحمد ثم أرتج عليه فقال : يا أهل الشام عسى الله أن يجعل بعد عسر يسرا ، وبعد عي بيانا و أنتم إلى إمام فاعل أحوج منكم إلى إمام قائل ثم نزل 9 ، وتسبب الهيبة أيضا اللحن في الكلام وتلفيقه بحيث يتداخل بعضه ببعض فضلا على العلل اللسانية السابقة أنشد ابن الأعرابي (ت 231هـ- 845م) لأبي مسمار العكلي يصور حالة ما يحدث في خطب الاملاك (التزويج وعقد النكاح) وما يعرض للخطيب : (من الرجز) نحوه ، قال : "نكسوا رؤوسكم أبصاركم ، فإن  المنبر مركب صعب ، وإذا يسر الله فتح قفل تيسر "  ،ونتيجة لما تقدم اشترطوا في  الخطيب تجنبا لعلل اللسان-  أن يكون "رابط الجأش ، ساكن النفس جدا ، لان الحيرة والدهش يورثان الحبسة والحصر"  .
4- ألتوق إلى الشيء: يجعل اللسان يهدي به و يعبر عنه، في مجالات التعبير الأخرى، بحيث يصبح التعويض عن المحروم بالمقول.  أن احدهم دخل على رجل يأكل أترجه بعسل ،فأراد أن يقول : السلام عليكم ، فقال : عسليكم  . فقد عبر اللسان عن حاجة الإنسان من غير قصد، مسببا بعمله عاهة لغوية.ومثل هدا الفعل كثير في التراث العربي. قيل : بكر احمد بن أبي خالد يوما يعرض القصص على المأمون فمر بقصة فلان اليزيدي ، و كان جائعا ، فصحف وقال : فلان الثر يدي ، فضحك المأمون وقال :يا غلام ثريدة ضخمة لأبي  العباس فإنه أصبح جائعا . فخجلا احمد و قال: ما أنا جائع يا سيدي...قال المأمون :دع هدا فالجوع اضطرك إلى ذكر الثريد....
  

ثانيا: الدوافع الاجتماعية، برز منها :
1- كثرة الاختلاط بالأعاجم :يؤدي إلى تناهي كلامهم إلى الآذان فيتوق إلى لفظه اللسان وقد تعددت مجاري الاتصال بهم ومنها الزواج والجوار ... قيل كان عبيد ابن زياد يرتضخ لكنة فارسية من قبل زوج أمه شيرويه الأسواري  و أدت النشأة بين الأعاجم دورها في نقل اللكنة إلى ألسنة العرب وبذلك اعتلت الألسنة بما ألقي إليها مما يغايرها لجنوحها إليه باعتياد السمع وليس الأمر بغريب " لأن السمع أبو الملكات اللسانية "  
2- طول الصمت وقلة النطق : يؤديان إلى جمود اللسان وثقل الكلام  وهذا السلوك يورث عللا في النطق كأن المرء إذا جلس منفردا ولم يكن له من يكلمه ويجاذبه أطراف الحديث وطال الأمر أصابه لفف في اللسان ولحقه حصر وعي قال أبو الزحف مصورا الموقف والحالة من الرجز .  
                                                                  كأنَ فيهِ لففاً إذَا نطقْ  * * *  منْ طولِ تحبيسٍ وهمٍ وأرقْ 
ودفعا لمرض الصمت من دون حاجة اللغوي نبه العلماء على أسبابه لتجنبها قالوا : " أخزى الله المساكتة فما أسوء أثرها على اللسان و أجلبها للعي والحصر إلى اللسان"

3- القدرة الكلامية : تناسب طردا مع السن والمقام الاجتماعي فقد يلثغ الطفل حتى يبلغ وتتراجع القدرة على الكلام عند الكهل والشيخ الهرم نتيجة ضعف أدوات النطق وقلة مرونتها قال الجاحظ : " والذي يعتري اللسان مما يمنع من البيان أمور ، منها اللثغة التي تعتري الصبيان إلى أن يُنشؤا وهو خلاف ما يعتري الشيخ الهرم الماج المسترخي الحنك المرتفع اللثة ..."   ، ويمكن أن ننفذ من خلال تشخيص الداء وتعليل أسبابه إلى شيء من العلاج الناجع يعمل على درء أخطار اللسان ويوقي من الوقوع فيها من أبرز علاج علل اللسان و امراض اللغة : 

- العمل على كثرة تقليب اللسان ومراجعته : لأن فيها مرونة وخفة قال ابن المقفع " إذا كثر تقليب اللسان رقت حواشيه ولانت عذبته "  وعلاج ذلك نابع من كنة العلة اللسانية قال ألعتابي : " إذا حبس اللسان عن الاستعمال اشتدت عليه مخارج الحروف "  وقد وضع علماء العربية ميزانا للثقيل والخفيف من الكلام استنادا إلى هذا الأصل : " كثرة تقليب اللسان" يشهد لذلك كلام ابن يعيش الذي يعتمد على الوقع الاجتماعي للحياة العربية ،قال: " ... و إذا ثبت أنه أكثر في الكلام كان أكثر استعمالا و إذا كثر استعماله خف على الألسنة لكثرة تداوله ألا ترى أن العجمي إذا تعاطى كلام العرب كان ثقيلا عليه لقلة استعماله له " ، وبناء على معيار الثقل والخفة حدد علماء البلاغة الكلمة الغريبة الوحشية النافرة من الأخرى المأنوسة الحسنة جاء في أحكام الفصاحة : أن تكون الكلمة الفصيحة بعيدة عن تنافر الحروف الذي يعمل على " أن تكون الكلمات بسببه متناهية في الثقل على اللسان وعسر النطق بها متتابعة "  ثم بينوا الأسباب التي تكون فيه الحروف متنافرة .

- التأني في النطق : وجهد النفس في إخراج الكلام يعملان على درء العلل اللسانية أوضح الجاحظ مثلا على لثغة الراء بالغين ،قال: " فأما التي على الغين أيسرهن ويقال إن صاحبها لو جهد نفسه و أحد لسانه وتكلف مخرج الراء على حقها والإفصاح بها لم يكن بعيدا من أن تجيبه الطبيعة ويؤثر فيها ذلك التعهد أثرا حسنا "  
  
- التهيؤ للنطق والانتباه إلى مكان العلة : والتكلف لإزالتها يعزز ذلك قول الجاحظ " وقد كانت لثغة محمد ابن شبيب المتكلم بالغين وكان إذا شاء أن يقول عمرو ولعمري ، وما أشبه ذلك على الصحة قاله ولكنه كان يستثقل التكلف والتهيؤ لذلك فقلت له : إذا لم يكن المانع إلا هذا العذر فلست أشك أنك لو احتلمت هذا التكلف والتتبع شهرا واحدا أن لسانك كان يستقيم "  بالإضافة إلى علاج آخر نابع من كنه أسباب العلل كالتخلص من التهيب والخوف مع حسن استعادة للكلام وسابق تهيؤ وعم الإلتفات إلى تقليد الأعجمي ... ففيها الدواء ... وفيها الشفاء .
- مكانة مريض اللسان الاجتماعية : لم يكن اهتمام اللغويين بعلل اللسان من باب الفضول واستطراد القول ، بل نبع من أصول اجتماعية ، وآداب سلوكية رعاها المجتمع العربي يتجلى الأمر بدقة من خلال النظرة الثاقبة التحليلية التي أسبغت على صاحب البيان . وفي الجهة المقابلة الرزية التي تسدى لفاقد البيان وعيي اللسان وجملة الأدلة تظهر مكانة صاحب البيان الاجتماعية والبريء من علل اللسان منها : 
أ- دخلت علل اللسان في أصول البيان  إذ اعتبر البين من تحرر من براثنها وصفا قوله منها قال ابن رشيق: " البيان : الكشف عن المعنى حتى تدركه النفس من غير عقلة  ." ولهذا فإن علة اللسان تشين الإنسان وتورثه مكانة دنية ولا أدل على ذلك من قول الحكماء : " اعلم أن كمال العالم هو الإنسان ، وكمال الإنسان هو اللسان وجماله هو البيان "  وصدى للقول المذكور جاءت دعوى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه : " رحم الله امرءاً أصلح من لسانه "  .
ب- تفاضل الناس داخل المجتمع الواحد في سلوكهم اللغوي السليم فإذا كان كلام الإنسان عليلا ومبناه ركيكا سقط قدر المتكلم وقلت هيبته أمام السامعين فبهاء الإنسان في اللسان يدعم ما قاله قول الخليل ابن أحمد: " من الخفيف "
            لا يـكـونُ الســـــــريُ مـثـلَ الدنـيَ   * * *    لا و لا ذُو الذكاءِ مثلَ الغبيَ 
            لا يكـونُ الألـدُ ذُو المقـولِ المـــــرْ   * * *   هفِ عندَ القيــاسِ مثلَ العيِـي 
            أيُ شيءٍ منَ اللباسِ على ذي السـ    * * *    ـرِْوِ أبْهىَ من اللســانِ البَهِيَ
            يَنْظِمُ الحُجَـــــــةَ الَسَنٍيَـةَ فـي السَـلْـ   * * *   ـكِ منَ القولِ مثلَ عقدِ الهدِيَ 
            قـيـمةُ المَرْءِ كلُ ما يحسنُ المــــــرْ  * * *   ءُ قـضـاء الإمـــــــــامِ عـلـيَ 
ج- توقع علل اللسان الناطق في حرج لأنها تشوه المعنى وقد تقلبه فيلاقي من القوم الهوان ويصيبه الذل والامتهان روي أن أحد الأساتذة في الجامعة وقف يثني على سلفه فإذا به يقول أمام الحفل :" لا يسعني إلا أن أهنئه على " جموده" في البحث بدل أن يقول على على "جهوده"  ومعلوم ما في ذلك من حرج يورث الخجل وفقدان الثقة لأن المعنى بسبب علة اللسان انقلب رأسا على عقب .   
د- تمثل الفصاحة وجودة النطق والبعد عن اللكنة والعجمة معالم حضارية اجتماعية برزت يوم اعتمد اللسان معيارا يفرق بين السيد وعبده و أمته ذكر الشيخ البيهقي عن المأمون قوله : " ما على أحدكم أن يتعلم العربية فيقيم بها أوده ويزين مشهده ويتملك مجلس سلطانه بظاهر بيانه ... أو يسر أحدكم أن يكون لسانه كلسان عبده و أمته ولا يزال أسير كلمته ؟ ..."  .
هـ- يوازن معتل اللسان بفاقد المروءة وكفى به دليلا على حالته الاجتماعية قال يونس ابن حبيب : " ليس لعيي مروءة ولا لمنقوص البيان بهاء ولو بلغ يأفوخة أعنان السماء "  وبلغ الأمر بهم أن عدوا العلة اللسانية عورة ومنقصة في الإنسان ذكر أعرابي رجلا يعيا فقال : " رأيت عورات الناس بين أرجلهم وعورة فلان بين فكيه "  وتكفي عليل اللسان منقصة ما قيل في اللجلاج على سبيل المثال لا الحصر : [ من الرجز] 
             ليسَ خطيبُ القومِ باللجلاجِ  * * *    ولاَ الذي يزْحَـــــلُ كـالهِلْبَاجِ
             وَرُبَ بَيِْـْدَاءَ وَ لـَيْــــــلٍ دَاجٍ  * * *   هَتَـكْتُـــــــهُ بالنَصِ وَ الإدْلاَجِ  
و ما جاء في وصف الإنسان اللائق المتزن صاحب الخلق : [من الرجز] 

                          ليسَ بفَأْفَاءِ ولا تمْتامِ   * * * ولا محبَ سقطَ الكلامِ  
وناهيك بها مذلة أن الفرق بين الإنسان وغيره من المخلوقات حسن البيان قال صاحب المنطق " حد الإنسان الحي الناطق المبين"  بل إن الإنسان واللسان قرينان قال بعض الحكماء : " الإنسان بأصغريه قلبه ولسانه إن نطق نطق ببيان و إن قاتل قاتل بجنان "  ، هكذا وضعت معايير اللسان قيما اجتماعية جديدة في المجتمع العربي وتطورت فبرزت بشكل أصول يعرف بواسطتها العربي من العجمي ويميز الرومي من المولد يشهد لذلك ما جاء عن نخاس أنه كان " يمتحن لسان الجارية إذا ظن أنها رومية وأهلها يزعمون أنها مولدة بأن تقول " ناعمة" وتقول "شمس" ثلاث مرات متواليات "  ، ونفذ علماء العربية إلى مجاهل عميقة دقيقة في مباحث علل اللسان و أمراض اللغة وسجلوا نتائج متطورة لا تضاهيها أبحاث اليوم  بما توفر لدى الباحثين من تقنيات وأدوات أمدهم بهما التطور الحضاري والتقدم التكنولوجي ولكن هناك سؤالا يختلج في النفوس ويدور في الأذهان مفاده : ما الدوافع التي كانت وراء هذا السبيل؟ 
التدقيق في أراء العلماء يكشف قناع الحقيقة لقد كمن وراء هذا المنهج عاملان :
الأول : أهمية اللغة والكلام في حياة الإنسان من جهة وأثرها في نقل العلم من جهة أخرى " فالعلم كله لا يؤديه إلى أوعية القلوب إلا اللسان"  
الثاني: مكانة العربية ذاتها في نفوس الناس وإنزالهم إياها منزلة قدسية نابعة من الدين فقد حث على تعلمها الأئمة من الصحابة الراشدين ومن تلاهم من التابعين قال الزبيدي : " ... يحضونه على تعلم العربية وحفظها والرعاية لمعانيها إذ هي من الدين بالمكان المعلوم فيها أنزل الله كتابه المهيمن على سائر كتبه وبها بلغ رسوله عليه السلام وظائف طاعته وشرائع أمره ونهيه" 7    نخرج بعدها بتوجيهين أحدهما موسوعية عالم العربية من جهة وشمولية مصادرها بحيث احتوت علة معلومات متنوعة ما بين لغة وفلسفة وفقه و أصول اجتماع ... أما اليوم فإن التخصصية غلبتنا وما هي من أصالة تراثنا ، وثانيهما سبق العربية غيرها في ميادين علل اللسان و أمراض اللغة فقد أرسوا بحق من خلال بحثهم الأمراض اللغوية أساسا من أسس علم اللغة الحديث Linguistique وذلك هو الأساس الاجتماعي أو أما ما يصطلح على تسميته اليوم " اللسانيات الاجتماعية"  Sociolinguistique  وبذلك كتبوا لأنفسهم السبق والريادة وبهذا السبق منحوا البحث اللغوي العربي بعدا إنسانيا ووسموه بطابع العصرنة والحيوية والتجدد بل لا نغالي إذا قلنا إن مباحث علاج العلل اللسانية كانت إيذانا لولادة علم اللغة الإكلينيكي أو بكلمة بواكير علم اللغة الإكلينيكي الذي أبصر النور في مصادر اللغة العربية .

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال