اعلان ادسنس

بلا عنوان

 



الفن و الأسطــورة   

 

1. مفهوم كلمة أسطورة.

2. الأسطورة و الأدب.

3. التحليل البنائي للأسطورة.

العلاقة بين الفن و الأسطورة موغلة في القدم، فقد كانت هذه الأخيرة مصدر إلهام للفنان و الشاعر ... و هي "ليست مجرد نتاج بدائي مرتبط بمراحل ما قبل التاريخ ...   و تعد عملا جوهريا و أساسيا في الحياة و في كل عصر ... و في إطار الحضارة الصناعية و المادية الراهنة مازالت الأسطورة تعيش بكل نشاطها و حيويتها"[1].

و ما يثير الانتباه في التجربة الروائية الجديدة هو استخدام الرمز و الأسطورة كأداة للتعبير، و لعل التأمل بطبيعة الأساطير التي يستخدمها الأدباء المعاصرون و في طريقة استخدامهم لها يدعو دعوة ملحة إلى الاهتمام بهذه الظاهرة إجمالا و تقويمها، و لا نكتفي بملاحظتها من خارجها، بل يجب تفسيرها في إطارا التاريخي الروحي من حياة الإنسان. و مهما تكن هذه الحياة ضاربة بجذورها في التاريخ و مرتبطة بالتجارب الإنسانية، فعند استخدام الروائي لها يجب أن يربطها بالحاضر و تكون قوتها التعبيرية نابعة منها، فالقيمة كامنة في لحظة الإبداع و ليست راجعة لا إلى صفة الديمومة لهذه الأساطير و لا إلى قدمها، و يجب التعامل معها أو مع شخصها مراعاة السياق الخاص المناسب "ذلك أن الأسطورة أقرب إلى أن تكون جمعا بين طائفة من الرموز المتجاوبة، جسد فيها الإنسان وجهة نظر شاملة في الحقيقة الواقعة، و هذا التجاوب بين رموز الأسطورة يمثل علاقة واضحة و منطقية بينهما و إنما هي في الغالب لعلاقات جدلية"[2].

و من ثم تعود رموز الأسطورة كي تخضع في الرواية لمنطق السياق الروائي،   و في هذا لا تختلف العناصر الرمزية في الأسطورة عن شخوصها.،فحيثما تظهر عقدة  أو ديب في الرواية يكون ظهورها نابعا من منطق السياق.

كما أن الروائيين يستلهمون الأسطورة القديمة في مجملها من حيث هي تعبير قديم ذو معنى، كاستلهامهم أسطورة "أوديب" على سبيل الذكر لا الحصر. فكل شخصية أسطورية لها تجربتها الخاصة الواقعية، و في نفس الوقت تلخص وجها من وجوه التجربة الإنسانية الممتدة. فمثلا أسطورة أوديب تصور لنا قصة ذلك الملك الذي انتهى به الأمر إلى قتل أبيه و الزواج من أمه من دون علمه.

و الشخصية الأسطورية تعتبر أداة عبر بها الإنسان على مر الزمن عن تجربته منذ بدايتها في حضن العقيدة و في امتدادها فيما بعد إلى العرف و التقاليد، و قد تضمنت عدة معاني: كالحياة، الموت، الخلود، الفناء، الحب. و الأسطورة تمثل الطموحات        و التخيلات السعيدة لأمة من الأمم في فترة زمنية معينة "و فيها تعليلات و تبريرات الشعوب حتى تخفف خوفهم من قوى الطبيعة الجبارة و أضحت معتقدا دينيا و منهجيا للتفكير، و قد توصلت الشعوب الأولى التي أنشأت الأسطورة إلى قوة هذه العناصر      و خصائصها"[3].

و الكل يجمع على أن الأسطورة "لا تخرج عن كونها قصة خيالية قوامها الخوارق و الأعاجيب التي لم تقع في التاريخ ولا يتقبلها العقل"[4]، و عند نفينا لشيء ما نقول أنه أسطوري. و يرى "ماركس مولر" "أن الأسطورة تصوير لفترة من الجنون كان على العقل البشري أن يجتازها"[5]، لكن هذا لا يلغيها تماما أو ينقص من قيمتها، فقد كانت محل اهتمام السيكولوجيين و الأنتروبولوجيين. فالأساطير موجودة و لها أبطالها، و هناك رموز تدل عليها و مرتبطة بوقائع و أحداث معينة، غير أن الكثيرين يعتبرونها شيئا لا معقولا و لا مقبولا.

و للأسطورة منطق خاص يتمثل في إشباع الغرائز المكبوتة في صدور الشبر، "فالإنسان العادي افترض أن كل شيء منع عنه فهو مباح للآلهة و لقوى الطبيعة، لذا عليه التعرف على أسباب المنع حتى لو اضطر لتجاوز حدود المنع"[6]. و هذا التنفيس          أو الترويج عن النفس ظل محدودا، و من هنا ظهر جموح الغرائز من أجل تحقيق الأحلام في الإنتاج الأدبي خصوصا و في الإنتاج الفني عموما.

كما أن الأساطير لها أسلوبها الخاص، ولو تفحصناها بدقة لوجدنا واحدة على الأقل تحمل أحد أحلامنا، فنلمس ما هو خيالي و نرى ما خارق للعادة، و تحدث هذه الأحداث في مكان مجهول و زمن معين، فيمتزج الماضي بالحاضر و يستشرف الغيب لمعرفة المستقبل، و البطل الأسطوري هنا لا يشعر بالحدود الفاصلة بينه و بين العالم و الفكر    و الزمن.

فقد قرر "شكري عياد" في كتابه "البطل في الأدب و الأساطير" أن بطل الأسطورة موضوعي غير قابل للذاتية"[7]، فإرادته و عقله ليس عدة له، و إنما قوة الآلهة هي العدة الحقيقية و القوة الخفية الواقعة وراءه.

فأسلوب الأساطير هو "أسلوب الخيال الشهري الذي يتخطى أحيانا حدود المعقول  و ينتقل إلى عالم وهمي تتصارع فيه الأهواء البشرية"[8]، فيتحدث إلينا بلغة المجاز، ألفاظه تأتي متضمنة معان غير موضوعة لها، كما يعبر عن حقائق الأشياء باستعمال الرموز   و الصور.

و هكذا فمنطق الأسطورة هي اللامنطق و اللامعقول، و زمانها و مكانها          و أسلوبها هو أسلوب الخيال الشهري و تظهر في العمل الأدبي وسطا بين الحلم و اليقظة و كأنها أحلام يقظة تنقلنا على بساط من ريح في كل زمان و في كل مكان. لذا على القارئ أن يمزج الرؤيا بالتأويل و الأسطورة بالواقع و الحكمة  بالسحر، و بتأمله يدرك المعاني التي يقصدها الكاتب، لأن هناك معنى سطحي آخر عميق، معنى النص و معزى النص من أجل تجلي و تقصي الحقائق و كشف الرؤى الضبابية. و لذا يوظف الروائيون "الطقس الأسطوري المسحوب بعوالم سحرية و ألوان خرافية تساعد على ضبط الرؤيا الداخلية"[9]، و تحتاج المخيلة إلى فضاءات سحرية طقوسية "، و أجواء تدعوا إلى الدهشة  و الغرابة و تسافر بالذاكرة إلى عوالم أسطورية خرافية"[10].

و هناك يحتدم الصراع بين الخيال و الحس، الماضي و الحاضر، الأسطورة      و الواقع، لتخرج في نتاج أدبي مكتمل يحاول الربط بين المتناقضات

"و من هنا يمكن القول بأن فكرة الرجوع إلى الأساطير لا تعني أن الشعر كان يعيش بعيدا عن الأسطورة، و إنما تعني أن الاهتمام بالأسطورة هو الاهتمام بالشعر أيضا، لأن النزوع الشعري العظيم لا يقوم إلا على أساسها لا أسطوري، كما أن النزاع الأسطوري لا يقوم إلا على أساس شعري، لأن كلاهما يقبع في أعماق النفس متخفيا خلف آليات التفكير العلمي، فإذا ما ظهر أحدهما أخذ بيد الآخر"[11]. و تعد الأسطورة من مقومات الشعر الحديث، فهي عند الشاعر وسيلة فعالة للتأثير على القارئ و السير به نحو الاقتناع و التصديق، و هي جو فني يخلقه الشاعر لأفكاره و أحاسيسه، و قليل من الشعراء يحسنون استغلال الأسطورة في شعرهم "و لم تكن وقفا على الشعر وحده، بل أصبحت ملكا للنثر أيا"، فكل ما يوجد من ألون البديع ... من قوة و عاطفة و بيان و حلم و قريحة و لون و موسيقى من فيض الخاطر و عواطف المجموعات الكبرى، أي كل ما يعبر عن الفكر منذ هوميروس كان يصاغ شعرا"[12].

و لكن هذه الألوان من التعبير أصبحت اليوم كلها تصاغ نثرا، أو على الأقل لا يعجز النثر أن يعبر عنها في رشاقة و كفاءة.

و النثر كما يقرر ذلك جون بول ساتر ذو فائدة بحكم جوهره، فكان الكاتب هو الذي يسخر الكلام لأغراضه، فقد كان السيد جوردان يستخدم النثر في طلب خفه، بينما استخدمه "هتلر" في إعلان الحرب على بولونيا"[13].

و بقدر ما كانت الهوة سحيقة بين الشعر و النثر الفني من الناحية النثرية قديما، أصبحت ضيقة جدا في العصور المتأخرة، حتى أن النظريات النقدية الحديثة تحاول في بعض مفاهيمها الجديدة إزالة الحواجز بين النوعين أو الصناعتين. فإن الشعر نثرا إذا كان نظما، و إذا النثر شعرا إذا كان مشبعا بالصور مثقل بالرؤى الشفافة، محملا على أجنحة الألفاظ ذات الخصوصيات الشعرية. و هذا المفهوم هو ما يمكن أن يعرف على عهدنا الحاضر تحت اسم La poétique و هو في مصطلح ألسني جديد له في اللغة العربية معادلا مقبولا.

إن النثر ليس شعرا مضاف إليه شيء ما و إنما هو شيء ضد الشعر، فإن هدفت لا يحمل خصائص مضادة للشعر فذلك لا يعني إلا أنه ليس نثرا كاملا، و إنما نثر شعري يجمع بين خصائص الصناعتين.

إن القوة الإبداعية تكمن في الشعر كما في النثر و "الأداة المستخدمة في التبليغ واحدة و هي اللغة، و الشكل الضيق هو الذي يختلف في بعض الأحوال و الأطوار. إن غياب الحدود بين الشعر و النثر أكثر من حضورها"[14].

غير أن النقاد العرب القدامى اهتموا بتناول الشعر تحت مظاهر شتى، و بمناهج متنوعة فمن "ابن سلام، إلى قدامى، إلى الجاحظ فعبد القاهر الجرجاني ... و وصولا إلى الباقلاني في إعجاز القرآن، حيث حاول مقارنة أجمل الشعر بالقرآن ..."[15].

اعتبر الشعر ديوان العرب، و جنسهم الأبي الأول، فهو المسجل لتاريخهم وعاداتهم و تقاليدهم و كان كذلك لدى الإغريق. و لم يحظ النثر بنفس الأهمية التي حظى بها الشعر، و كان النثر يهتم بالفلسفة و المنطق أي التأليف القائم على التنظير و التأمل، و قد فرق النقاد العرب في القديم بين الشعر و النثر و حتى النقاد الغرب و لنا أن نتساءل: هل يوجد حد فاصل بين الشعر و النثر الفني؟

إنه من العسير تناول هذه المسألة بالتفاصيل و التدقيق، لكن حسبنا أن نشير إليها بقولنا أن لم يعد هناك فرق كبير بين الشعر و النثر. فمنذ أن غنت فيروز رواية "النبي" لجبران خليل جبران عدّ هذا كشاهد على أنه لا يوجد هناك فرق بين الشعر و النثر، فالجنسين الأدبيين يتلاحمان ليشكلان رافدا أدبيا واحدا و الشعرية أو "البويتيكا".

و هناك من النثر الفني ما هو أجمل ألف مرة من الشعر، فنجد في بعض الناثرين فاقو الشعراء شعرية و جمالية و حتى شهرة، و منهم الحريري و بديع الزمان الهمذاني، فقد تناولوا موضوعات بالنثر كما تناولوها بالشعر، و منهم أيضا أبو بكر الخوارزمي     و ابن زيدون و من المحدثين، شوقي، المازني، العقاد، حافظ، فقط كتبوا النثر و نظموا الشعر.

"... نحاول إزالة الحدود بين الشعر و النثر و نعاملها معاملة تتمثل في ملاحظتها في حد أنفسهما:

فإنما أن يكون، كلاهما أدبا أولا يكونا"[16]، و على ضوء ما فيهما من هذه الأدبية، تتحدد صفة التعامل معهما، فهناك حتما آلاف القصائد التي لا صلة لها بالشعر، كما أن هناك أعمال كثيرة لم تتخذ نظام التفعيلة التي هي الأساس الشعري، فاعتبار الجانب الإيقاعي على الأقل، و مع ذلك ترقى إلى مكانة أسمى من الشعر، فالقيمة إذن بمقدار الجمالية و الشعرية و ليست بالنوع. فالإبداع لا يقتصر على جنس أدبي معين فكل من الشعر و النثر تكمن فيهما القوة الإبداعية و كلاهما يشكلان الأدب بالرغم من اختلاف معنى كل منهما عن الآخر، إلا أن الأدباء المعاصرون يحاولون تحطيم الحدود بينهما ومن أمثلة على ذلك الرواية التي توغلت في العصر الحديث و اتخذت شكلا جديدا تماشيا مع التطور الحضاري، إذ أضحت الرواية التقليدية عاجزة عن أداء دورها كما أنها لم تتمكن من رصد كل ما يجول في خاطر المبدع فراح يبحث عن متنفس و وجد البديل في التقنيات الجديدة للخطاب الروائي المعاصر.

والتضافر الشعري و الأسطوري مصطلح مركب من ثلاثة أقسام:

1. التضافر: يعني التلازم، التكامل بين شيئين، أي اتحاد عنصرين لتشكيل بنية واحدة.

و جاء في لسان العرب: "تضافر القوم على فلان و تظاهروا عليه بمعنى واحدا أي تفانوا و تجمعوا عليه.

تضافر القوم على الأمر: تظاهروا و تفانوا عليه"[17].

2. الشعري: يقصد به التكثيف و الاقتصاد اللغوي حيث يصبح للكلمة قانونها الخاص و إيقاعها المتميز، فتهيمن فيه الوظيفة الشعرية على الوظيفة النثرية و كأننا نتحدث عن الشعر لا النثر.

3. الأسطوري: هو شكل قصصي خرافي يفسر بمنطق الإنسان الأول و الأسطورة تصور صراع الإنسان مع الطبيعة و القوى الخارقة و قد نزع الروائيون المعاصرون إلى هذا النوع من التعبير اهتماما منهم بجماليات الرواية فحاولوا تحطيم الحدود بين الأجناس الأدبية (شعر، نثر) و مزج الماضي بالحاضر، و العودة إلى أصول التعبير الأولى من أجل أن يعيدوا للأدب إنسانيته فيمزجون الشعرية بالأسطورة فيأتي العمل الأدبي نتيجة تفاعل بين عالم خرافي رمزي و بلغة مفعمة بالإنزياحات الدلالية.

و في رواية الجازية و الدراويش حاول ابن هدوقة استعمال رموزا أسطورية ترجم بعضها بلغة شعرية إنزياحية و بها يثير شهوة القارئ و يمتعه كما أنه كان يهدف إلى زعزعة تقاليد الكتابة الروائية التقليدية.

و حاول تأسيس كتابة روائية إبداعية طافحة بالشعرية و مزينة برموز أسطورية، و بهذا فقد حاول إخراج الأدب الجزائري من الإيديولوجيات و سمى به إلى الابتذال كما أخرج القارئ من مستوى القراء العاديين وجعله قارئا استكشافيا يقرأ قراءة مستثمرة لا قراءة استهلاكية بهدف ملأ الفراغ.



[1] "عز الدين إسماعيل"، "الشعر العربي المعاصر، قضاياه و ظواهره الفنية و المعنوية"، (يبروت، دار العودة  و دار الثقافة، ط 3، 1981)، ص 222.

[2] المرجع نفسه، ص 201.

[3] "عبد الحميد جيدة"، الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر، (لبنان: بيروت، مؤسسة نوفل، ط 1، 1980)، ص105.

[4] أحمد كمال زكي، الأساطير دراسة حضارية مقاربة (بيروت: دار العودة، ط 2، 1979)، ص 107.

[5] المرجع نفسه، ص 108 (نقلا عن ماكس مولر).

[6] المرجع نفسه، ص 112.

[7] المرجع نفسه، ص 113.

[8] حنا الفاخوري، الجديد في الأدب العربي، ج 2، (بيروت: منشورات مكتبة المدرسة)، ص 106.

[9] عبد القادر فيدوح، شعرية القص، (وهران: ديوان المطبوعات الجامعية، 1996)، ص 31.

[10] المرجع نفسه، ص 35.

[12] , P 87/88(Paul Claud, Position et proposition sur le vers Français) عن عبد الملك مرتاض، النص الأدبي من أين؟ و إلى أين؟ (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1983)، ص 26.

[13] J. P. S. artre situation, P 70 عن المرجع نفسه.

[14] المرجع نفسه، ص 27.

[15] ععبد الملك مرتاض، دراسة سيميائية تفكيكية لقصيدة "أين ليلاي" (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1992)، ص 4.

[16] المرجع نفسه، ص 7.

[17] اابن منظور، لسان العرب: تصنيف يوسف خياط، ج 2 (بيروت: دار لسان العرب، مادة ضفر)، ص 540.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال